أحمد أمين

60

كتاب الأخلاق

اختلاف المثل الأعلى : تختلف المثل العليا عند الناس اختلافا يكاد يكون بعدد رؤوسهم ، فهذا مثله الأعلى رجل غني متمتع بكل ملذات الحياة ، وذاك مثله إنسان كامل العقل قد تفوق في العلوم وتضلع من المعارف ، وآخر مثله وطني يدافع عن حقوق وطنه ويرفع مستوى أمته . كذلك يختلف سذاجة وتركبا ، فقد يكون مثل شخص صورة ساذجة رسمها مما يسمعه من والديه ، وقد يكون مثل آخر صورة مركبة قد رسمها بعد أن بحث في الأخلاق بحثا علميا وعرف الفضائل ورتبها حسب ما صح عنده من مقياس الخير والشر . والإنسان الواحد يختلف مثله من حين لآخر ، والأمة الواحدة تختلف مثلها كلما تدرجت في معارج الرقي ، وليست الصعوبة أن يجد الإنسان أو الأمة مثلا أعلى ، فالمثل كثيرة لا عداد لها ، وإنما الصعوبة اختيار أحسنها وأنسبها . وليس في وسع الأخلاقي ولا الفيلسوف أن يرسم مثلا أعلى دقيقا يوافق كل إنسان وكل أمة ، فالمثل الذي يتفق مع غرائز أحد ودرجة عقله من الرقي والبيئة التي تحيط به ربما لا يوافق الآخر لاختلافه فيما ذكرنا ، اللهم إلا إذا رسم الأخلاقي والفيلسوف صورة عامة اقتصر في رسمها على ما يوافق سواد الناس كالخياط يعمل ثوبا واسعا يصح أن يلبسه كثيرون مع تعديل بسيط . كل الذي نستطيع أن نقوله : إنه ينبغي أن يكون المثل الأعلى للشخص صورة كاملة تمثل خير إنسان يستطيع الشخص أن يكونه في كل شأن من شؤون حياته ، ففي عمله أن يكون أحسن ما يستطيع من جد وأمانة ، وإتقان ومهارة ، وفي سياسته لنفسه مثله أن يكون ضابطا لنفسه يعمل بإرشاد عقله ، وفي معاملته للناس مثله أن يعاملهم كما يجب أن يعامل ، وأن يحب الخير لهم كما يحبه لنفسه . مم يتكون المثل الأعلى ؟ أهم عامل في تكوين المثل المنزل والمدرسة والدين ، فتربية الناشئ المنزلية وما يسمعه من أبويه والنظام الذي يسير عليه بيته ، وما يراه في المدرسة وما يسمعه من مدرسيه وما يلزمونه بقراءته من الكتب وما يحببون إليه من عظماء الرجال ، والدين الذي يتدين به وما يحويه من نظام وما يرسمه من شكل الحياة الأخرى ،